الشيخ محمد النهاوندي
352
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الفجر ، قرب الجنّ أن يكونوا عليه مزدحمين تعجّبا ممّا شاهدوا من كيفية عبادته وحسن قراءته واقتداء أصحابه به قائما وراكعا وساجدا ، لرؤيتهم ما لم يروا مثله ، وسماعهم ما لم يسمعوا شبيهه « 1 » . [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 20 إلى 23 ] قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ( 20 ) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 ) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) ثمّ أمر سبحانه النبيّ بالإعلان بتوحيده ومخالفته لقريش بقوله : قُلْ يا محمد للمشركين بغاية التجلّد إِنَّما أَدْعُوا وأعبد رَبِّي المستحقّ للعبادة فقط وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً من الملائكة والإنس ، فيكف بالأصنام التي هي جمادات ؟ فلا موقع لتعجّبكم ، أو إطباقكم على عداوتي . روي أنّ كفّار قريش قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وآله : إنّك جئت بأمر عظيم ، وقد عاديت الناس كلّهم ، فارجع عن هذا ، فنزلت الآية « 2 » . ثمّ أمر سبحانه النبي صلّى اللّه عليه وآله بإعلانه للمشركين بأنّ الضرر والنفع والضلال والهداية كلّها بقدرة اللّه دون غيره بقوله : قُلْ يا محمد للمشركين إِنِّي لا أَمْلِكُ ولا أستطيع لَكُمْ أيّها الناس ضَرًّا ولا نفعا ولا غيّا وَلا رَشَداً بل كلّها بيد اللّه وحده ، فانّه المتصرّف في عالم الوجود دون غيره من الموجودات . ثمّ قيل : إنّ المشركين قالوا له اترك ما تدعوا إليه ونحن نجيرك « 3 » ونحفظك من أعدائك ، فأمره اللّه تعالى أن يجيبهم بقوله : قُلْ يا محمد إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي ولن يحفظني مِنَ قهر اللَّهِ وسخطه وعذابه ، أو ممّا أراد بي أَحَدٌ من خلقه إن أشركت به أو خالفت أمره بتبليغ الرسالة وَلَنْ أَجِدَ في الدنيا والآخرة مِنْ دُونِهِ وممّا سواه مُلْتَحَداً وملجاء ومفرّا ، وحاصل المفاد أنّي لا أملك لنفسي شيئا ، فكيف أملك لكم ولغيركم أمرا ؟ إِلَّا بَلاغاً وتبليغا كائنا مِنَ جانب اللَّهِ الذي أمرني به بأن أقول : قال اللّه كذا وَ تبليغ رِسالاتِهِ التي أرسلني بها بلا زيادة ونقصان . وقيل : إنّ المراد من البلاغ تلقّي الوحي من اللّه تعالى ، ومن الرسالات تبليغه إلى الخلق « 4 » . ثمّ هدّد الناس على عصيانه بقوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ولم يمتثل أمرهما بالتوحيد وغيره
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 163 . ( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 30 : 164 . ( 4 ) . تفسير الطبري 29 : 76 ، مجمع البيان 10 : 562